ما الخطر الذي يواجهنا إذا أصبح لفيسبوك وجوجل عملات رقمية؟

يهدف الخيال والقصص الدستوبي، من رائعة أنتوني برجس A Clockwork Orange  وحتى مسلسل راسل ديفيز الذي يعرض حالياً Years and Years، إلى أخذ عناصر من حاضرنا ويبني عليها صورة خيالية لمستقبلنا المحتوم، لتحذيرنا من عواقب قد لا تكون في حسباننا.

ولكن القرن الـ21 يتحدى هذا الأسلوب الأدبي بعدم ترك أي مساحة لتخيل العواقب، حيث يسرع العالم إلى ما يتجاوز أكثر خيالاتنا وحشية قبل أن نبدأ في التفكير بأي عواقب. ولعل ما تداولته الأخبار عن فيسبوك خلال الأسبوع الماضي أبرز مثال على ذلك، وكيف أن ثلاث سنوات من الفضائح التي لاحقت الشركة -والتي أوشكت على جعل العملاق التقني ينصاع  للمشرعين- لم تثن الشركة أو تبطئ من مساعيها الضارية لبسط نفوذها في كافة مناحي حياتنا. والآن، في خطوة قد تكون مستوحاة من إحدى قصص الخيال المستقبلية، تريد إصدار عملة عالمية جديدة.

سيتم ربط عملة «Libra» بسلّة من العملات الرئيسية بقيمة تقارب الدولار الواحد، وإدراجها في نموذج المعاملات الإلكترونية الآن والثابت المعروف بتقنية «بلوك تشين». وستشرف على العمليات المتعلقة بالعملة منظمة جديدة مقرها جنيف، مفتوحة لأي شركة أو مؤسسة بقيمة لا تقل على 1 مليار دولار باستثمار لا يقل عن 10 ملايين دولار. هناك، حتى الآن، 28 شركة مشاركة، تتضمن أسماء مثل Uber  وSpotify  وحتى Mastercard، ومن أجل طمأنة المتشككين في نواياها، تصر فيسبوك على أن تقتصر قوتها التصويتية على 1%. ولكن تظل Libra  مشروعاً من أفكار وتطوير شركة مارك زوكربيرغ. وستمثل العملة بالنسبة لهم الوسيلة اللازمة للتوسع إذا أصبحت جزءاً أساسياً من حياة المليارات الذين يستخدمون منصات فيسبوك، من خلال ربط تطبيق المحفظة المالية Calibra  ودمجه مبدئياً بتطبيقات فيسبوك ماسنجر وواتساب.

وكما هو متوقع، لم يتم تقديم الفكرة من منظور تعظيم أرباح الشركات المساهمة، بل على أنها فكرة خيرية ستجعل أصحابها مليارديرات بطريق المصادفة. أحد عناصر المبادرة التي يتم الترويج لها هي جعل المعاملات من شخص لآخر ممكنة برسوم منخفضة أو بدون رسوم، بحيث يتمكن العامل المهاجر، على سبيل المثال، من إرسال المال لعائلته في بلادهم دون اقتطاعات. وعلاوة على ذلك، بفضل سهولة دفع الأجور والفواتير، سيصبح بإمكان من لا تتوفر لهم الخدمات المالية و»غير المتعاملين مع البنوك، التمتع بالمزيد من الحرية الشخصية. لا يمكننا اعتبار هذه أفكاراً جديدة، ولكن كما هو الحال بالنسبة لمعظم مبادرات فيسبوك، فإنها جيدة جداً من الخارج.

ولكن الرأسمالية هي الرأسمالية، حيث يجب أن تتوافر الدوافع والحوافز المالية من أجل العمل. هناك أسواق كبيرة وواسعة في العالم النامي حيث تمتلك فيسبوك والشركات التابعة ملايين المستخدمين ولكن معدلات الفقر في تلك المناطق تعيق خروجهم بأرباح وعائدات الإعلانات. يوفر مشروع Libra  فرص جديدة لتحقيق الأرباح، جزئياً عن طريق تشجيع الأشخاص على استبدال العملات الوطنية بالعملة الجديدة، مما يمنح فيسبوك وشركاءها كماً هائلاً من الأموال. وفي تلك المناطق، والمناطق الأكثر ثراء، هذه العملة الجديدة ستمنح فيسبوك الفرصة أيضاً لتسريع العملية المركزية التي تأتي في صميم كل أعمالها: حصد كم هائل لا نهائي من البيانات، ثم تحويلها إلى أرباح.

تبذل فيسبوك قصارى جهدها لمواجهة تلك المخاوف، ولكن خططها الأولية لكيفية استخدام العملة الجديدة في تطبيقات ماسنجر وواتساب عبر Calibra  ليست مطمئنة تماماً. على أقل تقدير، ستعرف فيسبوك الأشخاص والشركات التي يتعامل معهم المستخدمون مالياً، ولن تكون هذه سوى البداية فحسب. تنص سياسة التطبيق على أن «Calibra  لن تشارك معلومات الحساب أو البيانات المالية مع شركة فيسبوك أو أي جهة أخرى بدون موافقة العميل». من الواضح أن الشركة تتبع هنا أسلوباً غير مباشر للموافقة الإجبارية، والذي يعني إما السماح لفيسبوك بحصد بياناتك وإلا لن تتمكن من الوصول للعديد من خدماتها. أياً كانت الضمانات، الفكرة واضحة وبديهية بما يكفي؛ لماذا قد نثق بشركة لديها مثل هذا السجل الشائن تجاه البيانات الشخصية وتوسيع نطاق وصولها إلى كم أضخم من البيانات؟

وهناك أسئلة أخرى؛ ماذا سيحدث إذا امتصت Libra  العملات الوطنية من الاقتصادات الضعيفة بالفعل؟ وما ستكون علاقتها بمستوى التضخم؟ وماذا عن مخاطر غسيل الأموال حول العالم؟ ولماذا بدأ كبار مسؤولي فيسبوك بالفعل في الحديث عن امتداد عملة Libra  إلى ائتمان؟

تم تسليط الضوء على تلك المخاوف خلال الأسبوع الماضي من خلال مؤشرات توضح عداء الهند المؤسسي للعملات الرقمية، مما يعني أن عملة Libra  لن تصدر هناك، في الوقت الحالي على الأقل. ولكن الأمر الأكثر قلقاً هو أن دخول فيسبوك إلى عالم صناعة المال سيؤدي بها إلى مجال آخر تشرف عليه الدولة حالياً؛ إلى ما يتجاوز الاستهلاك اليومي إلى التفاصيل الدقيقة لكيفية استخدامنا للخدمات العامة والتفاعل مع الحكومة، في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، والجريمة والعقاب، وكل شيء آخر.

لقد وصلت جوجل بالفعل إلى هذا الحد، ويثبت ذلك كل شيء من وجودها الواسع في النظام التعليمي الأمريكي إلى استخدام بيانات خدمة الصحة الوطنية البريطانية من خلال جناحها للذكاء الاصطناعي، DeepMind. ولكن فكر بشأن المدفوعات اليومية؛ عندما يأتي عام 2050، في جميع أنحاء الكوكب، ما العملات التي نعتقد أنها ستُستخدم لدفع الضرائب والفوائد والغرامات والكفالات والقروض الطلابية وغيرها، وما مصير الآثار التي ستتركها البيانات الضخمة لمثل تلك الأمور؟ في الصين، يمكن لمستخدمي شبكة الوسائط الاجتماعية الشاملة WeChat، والتي يرغب زوكربيرغ محاكاتها بوضوح، استخدام المنصة الاجتماعية لدفع الضرائب والغرامات. حتى في بريطانيا المحافظة، يفكر مجلس الوزراء بالفعل في اعتماد استخدام بيانات تسجيل دخول فيسبوك للوصول لمزايا الضمان الاجتماعي، وتسديد الضرائب والحصول على رخصة قيادة. ما الذي سيمنعهم مستقبلاً في التفكير فيما نعرفه الآن بـ «محاكم التفتيش»؟

في هذه المرحلة، سوف تستعمر الرأسمالية الأجزاء الضئيلة التي لم تمسها من حياتنا نسبياً حتى الآن. ستتمكن من جمع تلال من المعلومات المربحة عن كل شيء من أصدقائنا إلى آخر مرة دفعنا فيها غرامة تجاوز السرعة. وخلال ذلك، ستتسلّل قوة الشركات غير المحدودة إلى مناطق كنا لا نزال نعتبرها خاضعة للديمقراطية. كما سيكون ذلك يوماً مشهوداً للدولة، هل تتخيل سعادة وزارة العمل والمعاشات وقد أصبحت قادرة على معرفة ليس فقط مدفوعات الائتمان الشاملة للأشخاص، ولكن كيفية إنفاقها أيضاً؟

ولكن السؤال الأهم والجدير بالطرح ألف مرة: كيف يمكننا، بأي طريقة ممكنة، محاسبة فيسبوك وجوجل، والحد من نفوذهما وقوتهما بشكل واضح؟ يجب أن تبدأ الإجابة برفض دولي ضخم للمخططات المتغطرسة للشركات التقنية الكبيرة. وإلا سيعتزل كتّاب ومبدعو الخيال الدستوبي، فمهما بلغت سريالية وفساد تصوراتهم عن المستقبل، سيكون العالم قد تجاوزها.

شاهد ايضا

تريد أن تحصل على الجنسية التركية؟

editor

هونغ كونغ تخطط لإنشاء أكبر جزيرة صناعية في العالم

editor

فيكتوريا بيكهام تطلق صيحة غير متوقعة في عالم الأحذي

editor

نايكي» تسحب حذاءً رياضياً من الأسواق بعد اعتراض لاعب كرة قدم

editor

بالصور..شيك نادر بالجنيه الفلسطيني

editor

ما الذي يفعله فيسبوك بنا؟

editor